السيد محمد الصدر

344

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ورابعاً : إنَّه يُصاب بالنسيان مهما حاول التذكّر ، وهو يرجع إلى الوجه الأول . والذكرى كأنَّها اسم مصدرٍ من يتذكّر ، فجاءت بدلًا عنه ، والأصل : ( وأنَّى له التذكّر ) . وهي ليست اسم مصدرٍ حقيقةً ، ولكنها بمنزلته ، والغرض بيان المبالغة في العذاب . * * * * قوله تعالى : يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي : احتمل السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) معنيين للحياة في الآية . قال : قوله تعالى : يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي أي : لحياتي هذه ، وهي الحياة الآخرة ، أو المراد الحياة الحقيقيّة ، وهي الحياة الآخرة ؛ على ما نبّه تعالى عليه بقوله : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ « 1 » . والمراد بالتقديم للحياة تقديم العمل الصالح للحياة الآخرة ، وما في الآية تمنٍّ يتمنّاه الإنسان عندما يتذكّر يوم القيامة ويشاهد أنَّه لا ينفعه « 2 » . والوجه فيه : أنَّه إمّا أن يقصد حياته التي هو فيها وهو في ذلك الحين ، أي : في عرصة يوم القيامة في الآخرة ، فيقصد حياته الأُخرويّة ، وإمّا أن يقصد من ذلك الحياة الحقيقيّة ، والحياة الحقيقيّة إنَّما هي في الآخرة ، لكن ذلك يحتاج إلى تصديقٍ في أنَّه هل التكوين الفكري العامّ قاضٍ بأنَّ الحياة الحقيقيّة هي الآخرة ؟ والظاهرمن الاحتمالين هو الثاني ، أي : قدّمت لحياتي الحقيقيّة لا لحياتي الفعليّة ؛ لأنَّ الإنسان يعلم أن لا حياة فعليّةً في عرصة القيامة ، بل لابدّ

--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية : 64 . ( 2 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 284 : 20 - 285 ، تفسير سورة الفجر .